بلاغة السرد في الرواية العربية… مرافئ الحب السبعة نموذج

نقلا عن جريدة أخبار الخليج البحرينية

بقلم: فيصل عبدالحسن



أصدر الكاتب المغربي إدريس الكريوي كتاباً جديداً في النقد التطبيقي عنوانه «بلاغة السرد في الرواية العربية». وقد صدر الكتاب بالنشر المشترك لدار الأمان في الرباط ودار الاختلاف في الجزائر ودار ضفاف في بيروت والرياض، ويقع الكتاب في 343 صفحة من الحجم الكبير، ويزدان بطباعة فاخرة وإخراج جذّاب.
يدور الكتاب حول جدلية الشكل والمضمون، أو الأسلوب والمحتوى، أو اللفظ والمعنى في الرواية العربية الحديثة، ويتناول هذه الجدلية في ضوء نظريات النقد الغربي الحديث وتوجهات المدارس البلاغية التراثية العربية في آن واحد.
يتخذ المؤلِّف من رواية الكاتب العراقي المقيم في المغرب الدكتور علي القاسمي «مرافئ الحب السبعة» التي صدرت عن المركز الثقافي العربي في بيروت قبل أقل من عامين، نموذجاً للرواية العربية الحديثة، ويطبِّق عليها مقاربته النقدية. ويقسّم كتابه إلى قسمين: الأول، دراسة موضوعاتية للرواية، والثاني، دراسة لأسلوب الرواية وتقنياتها السردية.
والرواية تحكي معاناة أجيال من العراقيين مع الأنظمة المختلفة التي حكمت العراق منذ عام 1958 وعاشت غربة ونفياً عن وطنها العراق ولفترات زمنية طويلة، مما جعلها تعيش موزعة بين الماضي في بلادها وبين أهلها، وما عاشته في الغربة من ظروف صعبة لتأسيس حياتها في البلدان الجديدة التي عاشت فيها.
فهي تحكي حياة أستاذ الكيمياء العراقي «د. سليم الهاشمي» في سبعة مرافئ من بلدان مختلفة، عاش فيها الهاشمي تجارب حب وحياة مختلفة، لكنها لم تغير قناعاته من أن الله تعالى سيكون معه أينما حل، وسيغمره بوافر نعمائه ورحمته ومغفرته أيضاً.
وبالرغم من الأخطاء الحياتية التي يقع فيها الهاشمي سواء في أمريكا من خلال علاقته بسوزان اليهودية أو مع وداد في بيروت أو بعلاقته مع أرملة طبيب مغربي قتل في محاولة انقلابية فاشلة، لكنه في كل مرة يعود إلى قناعاته بأن الله تعالى سيغفر له ويرحمه برحمته.
والكاتب رسم من خلال مائة مشهد نصي، ملحمة الحياة لجيل من العراقيين المغتربين عن وطنهم، الذي ذاقوا الآمرّين من ذكرياتهم عن وطنهم، وما عاشوه من تجارب حياتية معظمها فاشلة، بسبب العقد الداخلية التي عاناها هؤلاء المهاجرون خارج وطنهم.
لقد برع د. علي القاسمي في رسم بورتريه إنساني للمثقف العراقي المنفي من وطنه، وتلمس مكامنه العميقة، وأحلامه التي معظمها كوابيس ثقيلة، تفسد حياته بالرغم من محاولاته الجادة لخط مسيرة ناجحة في بلد اللجوء الجديد، والكتاب النقدي تناول هذه الرواية من خلال فهم عميق لتقنيات السرد وآليات الكتابة الروائية التي استخدمها د. علي القاسمي في روايته.
فقد ضم القسم الأول من الكتاب خمسة فصول تتناول تحكّم الذاكرة في خيوط الحكي، ومستويات الغربة في الرواية، والبعد النفسي في الرواية، والبعد الفلسفي في الرواية وخاصة الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية المتعلقة بفلسفة الجمال، وفلسفة الجبر والاختيار، وثنائية الروح والجسد، وفلسفة التوحُّد والحلول، وماهية الزمان الفلسفية.
أما القسم الثاني من الكتاب، فتناول أسلوب الرواية وتقنياتها السردية، وقد اشتمل على تسعة فصول تدور حول مصداقية اللفظ للمعنى، وتساوق الجمل والتراكيب وتوازيها، وتقنيات الوصف في الرواية لوصف المكان والأشخاص والوصف الحسي والوصف المعنوي، وأنواع التنصيص في الرواية، ومستويات البلاغة من تشبيه واستعارة وكناية ومقابلة وطباق وسخرية، والتقنيات الإنشائية في الرواية كالاستفهام والنداء والاستثناء والاستدراك والإجمال والتفصيل، والإيحاء والرمز في الرواية حيث تناول الرمزية التي قصدها الروائي في مكونات الماء والبحر والناي والمزمار والدار والنخلة والتراب والنهر والقمر والبياض وغيرها، وتقنيات التناص واستدعاء الشخصيات التراثية. وختم المؤلّف هذا القسم بالمظاهر التجريبية في الرواية وبنية العتبات ودلالاتها.
ويرى الناقد إدريس الكريوي أن رواية «مرافئ الحب السبعة» قد ولجت مناخاً روائيا متميزاً صنعه روائيون أفذاذ بالصبر والتقليد والمبادرة والتحدي والمنافسة، وسيّجه عباقرة الحكي العربي في مرحلة متميزة من مراحل النهضة العربية، مثل طه حسين ويحيى حقي وسهيل إدريس وتوفيق الحكيم والطيب صالح، ويضيف: «وها هو علي القاسمي يلقي في معرض الأدب الزاخر هذا بروايته النفيسة «مرافئ الحب السبعة» سيرًا على خطاهم واقتداء بهم حيناً، واجتهاداً حيناً؛ مضاهاة حيناً، وتعديلاً للمشي والخطى أحياناً».
ومؤلّف الكتاب مفتش للتعليم الثانوي في فاس، وفي الوقت نفسه، فهو شاعر وناقد وباحث في التربية وعلم النفس. وكان قد حاز على الجائزة الأولى للعلامة عبدالله كنون، ونُشرت قصائده ومقالاته وكتبه في عدة بلدان عربية.

كاتب وصحفي
[email protected]